أبحاثكوفيد-19

اللقاحات ضد الأمراض: هل نصدق التحذيرات المخيفة ضدها؟ وماذا عن المشاركة في تجاربها؟

ليست التحذيرات المخيفة من اللقاحات ضد الأمراض المختلفة  أمرا جديدا، إنما قد عرف تاريخ اللقاحات العالمية مخاوفا مشابهة أعاقت تقدم نجاحه في بعض مناطق العالم.

وذلك بالرغم من الاستخدام الموسع الناجح لتحضيرات اللقاحات على مستوى العالم بأسره منذ عقود طويلة.

ونظرا لتعرض العالم حاليا لوباء كورونا الذي بدأ في ديسمبر الماضي، فقد توجهت الأنظار للأبحاث التي تسعى لتطوير لقاح ناجح ينقذ العالم من التأثيرات الصحية والاقتصادية البالغة للوباء.

وظهرت تحذيرات مخيفة ضد لقاحات كورونا في وسائل الإعلام المختلفة تتهم الجهات المطوّرة بأنها تنوي ايذاء البشرية وإزهاق الأرواح.

ووصل الأمر إلى إدعاءات تتهم اللقاحات بأنها وسيلة لزرع شرائح الكترونية للتحكم في البشر، مع استحالة زرع شرائح في الجسم البشري بدون جراحة بحسب العلم الحديث.

كما عادت التحذيرات المخيفة ضد اللقاحات بشكل عام للظهور مرة أخرى، وعاد الحديث عن ارتباط اللقاحات بظهور أمراض التوحد أو الزهايمر أو غيرها من الأمراض العصبية والمناعية.

كيف يمكن أن نقيّم هذه التحذيرات المخيفة؟

نستطيع أن نقيّم التحذيرات المخيفة ضد اللقاحات بالنظر إلى عدة محاور من أهمها معرفة خطوات الترخيص التي يمر بها أي لقاح قبل أن يصل إلينا.

وكيف يمكن للدراسات والأبحاث أن تمدنا بأدلة علمية تؤكد أمان استخدام لقاحٍ ما وليس فقط فاعليته.

كما يمكن أن يفيدنا النظر في التاريخ العالمي لاستخدام اللقاحات والذي طالما وقف في وجهه رافعو شعار ضد اللقاحات (anti-vaccines) استنادا على أبحاث ضعيفة أو مغلوطة وكانت العواقب غير حميدة.

 خطوات الترخيص التي يمر بها أي لقاح قبل أن يصل إلينا..

قبل أن يصل إلينا أي لقاح فلابد أن يمر بخطوات الترخيص التي تفرضها  المنظمات العلمية العالمية، ويخضع لمراجعة وتقييم العلماء على مستوى العالم . وفيما يلي توضيح مبسط لهذه الخطوات:

الخطوة الأولى لترخيص اللقاح تتمثل في دراسة تأثيره على حيوانات التجارب:

وهي خطوة البداية التي يجب لأي لقاح اجتيازها بنجاح مؤكد قبل أن يبدأ حقن أول متطوع من البشر به.

ويتم نشر أبحاث هذه الخطوة بتفاصيلها وبياناتها الدقيقة في المجلات العلمية الموثقة  لتقوم المنظمات العالمية والعلماء على مستوى العالم بتقييمها والتأكد من صحتها.

الخطوة الثانية لترخيص اللقاح تتمثل في دارسة تأثيره على المتطوعين من البشر:

وتنقسم هنا التجارب إلى ثلاثة مراحل متتالية تهدف إلى التأكد من أمان استخدام اللقاح في المقام الأول بجانب التأكد من فاعليته. هذه المراحل هي:

-المرحلة الأولى: تضم عشرات المتطوعين من البشر الأصحاء الذين يتم اختيارهم بعناية فائقة.

-المرحلة الثانية: تضم مئات المتطوعين من الأصحاء الذين تتنوع أعمارهم وأحوالهم للتأكد من أمان وفاعلية اللقاح في الفئات المختلفة تمهيدا للبدء في المرحلة التالية الموسعة.

وتسمح المرحلتان الأولى والثانية  بالتحقق من إمكانية وجود أعراض جانبية شائعة الحدوث للقاح.

-المرحلة الثالثة: وتبدأ هذه المرحلة بعد نشر بيانات مفصلة لدراسات المرحلتين السابقتين وعرضها للتقييم العالمي.

وذلك للتأكد من أمان استمرار الأبحاث والاطمئنان بأن احتمالات تعريض المتطوعين لخطر واضح  قليلة بشكل كافٍ.

تضم هذه المرحلة عشرات الآلآف من المتطوعين، ويحاول الباحثون من خلالها البحث عن إمكانية ظهور أعراض جانبية قليلة الحدوث بتجربة اللقاح على هذا العدد الكبير من المتطوعين.

وتستغرق هذه المراحل شهورا طويلة ليس فقط بسبب الخطوات الكثيرة والدراسات الدقيقة التي تمر بها، ولكن لأن الانتظار  لفترات طويلة يلزم لاستبعاد بعض الأعراض الجانبية التي يمكن أن تتأخر في الظهور.

وتسعى لقاحات كورونا في هذه الآونه للحصول على ترخيص طارئ يمكن أن يقلل من فترات الانتظار بعد إتمام المرحلة الأخيرة من تجارب اللقاح بنجاح .

هل يضمن اتباع الخطوات العلمية الرسمية لترخيص اللقاح عدم ظهور أعراض جانبية؟

يعمل اتباع الخطوات العلمية  الرسمية لترخيص اللقاح على توفير تصور لمدى أمان استخدام اللقاح.

يعتبر إتمام المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل تجارب اللقاح بنجاح إيذانا باستخدام آمن له، فهي مرحلة تضم ما يزيد عن 40,00-50,000 من المتطوعين، وتستطيع رصد الأعراض الجانبية في هذه الأعداد.

وتستمر مراقبة اللقاح بعد ترخيصه لرصد الأعراض الجانبية النادرة التي يقل معدل حدوثها عن 0.01 % ; أي التي يمكن أن تصيب ما يقل عن 0.01 % من الأشخاص المستخدمين للقاح.

وعلى هذا الأساس تقوم المنظمات العلمية بالتوصية بتناول لقاح معين وتحديد الفئات والأعمار التي تحتاجه لأن احتمالات تعرضهم لمضاعفات المرض الذي يقى منه اللقاح أكبر بوضوح من احتمالات تعرضهم لأعراض جانبية للقاحٍ آمنٍ بدرجة كبيرة.

ضد استخدام  اللقاحات (anti-vaccination)..

تعتبر فكرة حقن الجسم السليم بمادة ما للوقاية من مرض محتمل من الأفكار التي واجهت تصديا هائلا  منذ بدايتها، ولا زال شعار ضد استخدام اللقاحات (anti-vaccination) يُرفع إلى عصرنا هذا.

وبالرغم من أن الأطباء والباحثين الذين يعارضون استخدام اللقاحات قليلون، إلا أنهم يظهرون وبقوة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

يدعي الباحثون المعارضون للقاحات أنها يمكن أن تسبب أمراضا عصبية بسبب ترسب بعض مكوناتها في الخلايا العصبية أو أنها يمكن أن تسبب اضطرابات في الجهاز المناعي أو تفاعلات حساسية.

وبالفعل يمكن أن يكون لبعض اللقاحات أعراض جانبية سيئة، لكن مجرد معرفة ذلك لا تكفي، فلا زال يلزمنا معرفة:

  • نسب حدوث الأعراض الجانبية للقاح، فوجودها بنسب متناهية الصغر قد لا يمثل خطرا يذكر بالنسبة لخطورة المرض ومضاعفاته
  • تحديد احتمالات التعرض للمرض الذي يقى منه اللقاح وخطورة مضاعفاته
  • ثم مقارنة احتمالات التعرض للأعراض الجانبية للقاح بخطورة المرض ومضاعفاته.

وهذا هو دور المنظمات العلمية المسؤولة عن تقييم فائدة اللقاحات والعلاجات المختلفة لمواجهة العدوى بالميكروبات الخطيرة والأوبئة بطريقة آمنة.

لا زال شعار ضد استخدام اللقاحات (anti-vaccination) يُرفع إلى عصرنا هذا
لا زال شعار ضد استخدام اللقاحات (anti-vaccination) يُرفع إلى عصرنا هذا
Source: nbcnews

في بريطانيا..

كان من أشهر الأطباء  الذين عارضوا استخدام اللقاحات في بريطانيا طبيب بريطاني خرج بدراسة ضعيفة على 12 طفل ليؤكد بها للعالم ارتباط تطعيم الحصبة الثلاثي ( MMR) بمرض التوحد عند الأطفال.

وقامت الجهات العلمية البريطانية بالتأكد من ضعف هذه الدراسة وكشف التدليس العلمي بها للعالم أجمع، ومُنع الطبيب المسؤول عنها من ممارسة الطب .

وتلت هذه الدراسة مئات من الدراسات الموسعة التي أكدت  أنّه لا اساس علمي يمكن أن يربط بين لقاح الحصبة الثلاثي MMR وإصابة الأطفال بمرض التوحد.

وبالرغم من كل ذلك فلا تزال التحذيرات ضد لقاح الحصبة على لسان هذا الطبيب البريطاني تنتشر وتحدث ضجه في وسائل الإعلام من حين لآخر.

في نيجيريا..

بدأت في عام 2002 حملات لمقاطعة لقاح شلل الأطفال، وبالتحديد في شمال نيجيريا.

وكان وراء المقاطعة ادعاءات لا أساس لها، وثبت خطأها بالفعل فيما بعد، وهي أن القوى الغربية تلوث عمداً لقاح شلل الأطفال بفيروسات الإيدز  بالإضافة إلى مواد تسبب العقم بهدف التخلص من المسلمين في نيجيريا.

وكانت نتيجة هذه المقاطعة كارثية، فقد تضاعفت حالات شلل الأطفال في نيجيريا حتى أصبح عددها في عام 2004 يمثل نصف حالات العالم كله.

وذلك بالإضافة إلى انتقال فيروس شلل الأطفال من نيجيريا إلى ثمان دول أفريقية أخرى تم الإعلان عن خلوها مسبقا من فيروس شلل الأطفال.

ماذا عن المشاركة في تجارب  لقاحات كورونا؟

تعد المشاركة في تجارب لقاح كورونا عملا إنسانيا من الدرجة الأولى، فهو مساهمة في تطوير لقاح يتمكن من حماية البشر  من خطر فيروس قادر على إدخال الإصحاء إلى الرعاية المركزة وتهديد حياتهم.

وتزداد قيمة هذا اللقاح في الفئات المعرضة لخطر العدوى الشديدة مثل كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

درجة الخطورة ..

من المؤكد أن استخدام اللقاح قبل أن يستكمل مراحل تجاربه يحمل خطورةً ما، لكن الخطوات العلمية التي تتم بمتابعة المنظمات العلميةالعالمية توفر قدرا جيدا من الأمان لتجربته على المتطوعين .

وتتضح المراقبة العلمية لتطوير لقاحات كورونا في الاعتراضات التي وجهها العلماء رسميا ضد اللقاح الروسي ضد فيروس كورونا بسبب منحه الترخيص مبكرا وعدم نشر بياناته كاملة.

ومن أحد الأسس التي تتبعها التجارب لرفع احتمالات الأمان هو الاختيار الدقيق للمتطوعين الأصحاء، والمتابعة الصحية الدقيقة لهم  للتدخل بالتصرف الأمثل فور الحاجة إليه.

إقرأ أيضاً

 

د. نيهال الشبراوي

Consultant of Medical Microbiology and Immunology at faculty of medicine

متعلقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى