أبحاثأخبار طبية

الرجال من المريخ والنساء من الزهرة.. حقيقة علمية أم مبالغة متحيزة؟

اهتم الباحثون منذ مئات السنين بمحاولة إيجاد أدلة لاختلاف النساء عن الرجال في طرق التفكير والتعلم والكلام وحل المشكلات الرياضية أو حتى قراءة الخرائط.

ولجأ الباحثون حديثا لاستخدام أجهزة الأشعة بأنواعها لمحاولة إثبات هذا  الاختلاف الذي يمكن أن يؤيد فصل الذكور عن الإناث في مراحل التعليم المختلفة، لتقديم وسائل تعليمية مختلفة لكل منهما.

كما أنه يمكن أن يتم تفضيل دراسة أصناف معينة من العلوم للذكور وأخرى للإناث ، والتفريق بين طرق التعامل في حالات المعالجة التربوية أو النفسية بين الذكور والإناث.

المحاولون لتأييد نظرية اختلاف عقل المرأة عن عقل الرجل سيجدون على الإنترنت صورا لخرائط مخ  وبها أماكن مضيئة مختلفة في حال إن كان المخ لامرأة أو لرجل في محاولة لإظهار الفوارق وتأكيدها.

فما تاريخ دراسة الإختلافات بين عقل المرأة وعقل الرجل؟ وما هي نتائج أحدث الدراسات؟

 تاريخ الدراسات التي حاولت إثبات اختلاف عقل المرأة عن عقل الرجل..

كما هو متوقع فإن الدراسات التي سجلها التاريخ عن محاولات إثبات اختلاف عقل المرأة عن عقل الرجل اختلفت باختلاف الحقبة الزمنية التي أجريت فيها هذه الدراسات.

وفيما يلي توضيح لنماذج من هذه الدراسات التي يرجع تاريخها إلى القرن الثامن عشر.

في القرن الثامن عشر..

قام بعض الباحثون بوزن مخ المرأة ووجدوا أنه في المتوسط ينقص بمقدار 5 أونصات (28 جرام) عن مخ الرجل.

وخرجوا بنتيجة سريعة غير مدوسة بأن هذا يثبت قدرات عقلية أقل للمرأة، وسميت هذه النتيجة بنظرية “الاستدلال البيولوجي” Biological determinism”، التي لا أساس علمي لدعمها.

فإن كانت هذه النظرية صحيحة فاعتمادا عليها يمكن أن نميز بين القدرات العقلية للرجال وتفوق بعضهم في الذكاء لمجرد كبر حجم الرأس والمخ الذي يحويه!

في القرن التاسع عشر..

بالتحديد في عام 1886 أعلن رئيس الرابطة الطبية البريطانية عن خطورة التعلم الزائد للمرأة، وأنه يمكن أن يسبب مرض واضطراب جسدي وعقلي وأخلاقي فيها أسماه  أنوروكسيا سكولاستيكا anorexia scholastica.

في القرن العشرين..

بدأت الأبحاث المتحيزة تسلط الضوء على نقصان مهارات معينة متخصصة في عقل المرأة تجعلها غير مؤهلة لتعلم العلوم بمقدار ما، وهذه المهارات مثل الإدراك الفراغي الهندسي.

وحاول الباحثون مجددا الخروج برسالة واضحة مفادها أن عقل الرجل أكثر كفاءة وأفضل رؤية من عقل المرأة.

حدث هذا بعد أن تأكد بالدليل المادي أن المرأة يمكنها أن تتفوق على الذكور في كل أفرع العلوم.

وبعد أن شاركت الباحثات والعالمات في اكتشافات علمية مبهرة تختص مثلا بالجينات البشرية ومن أهمهن روزالين فرانكلين، والطاقة النووية التي حفرت إسم ماري كوري في تاريخها.

نتائج بعض الدراسات الحديثة..

تطورت طرق البحث العلمي بشكل واضح  خلال العقود الأخيرة، مما جعل نتائج الدراسات الحديثة أكثر وضوحا وتأكيدا من سايقاتها، وفيما يلي توضيح لبعض نماذج هذه الدراسات.

دراسة رقم 1..

أكدت دراسة تم نشرها في 2015 أنه لا يوجد أي اختلافات واضحة في المخ بين الإناث والذكور، وأن المخ يتكون من أجزاء متداخلة لها نماذج مختلفة، لكنه لا يمكن تصنيفها إلى نموذج ذكوري أو نموذج أنثوي.

دراسة رقم 2..

وضحت الدراسات الإحصائية الحديثة القدرة العقلية الواضحة للإناث حيث أظهرن تفوقا دراسيا واضحا على الذكور حتى في المواد الدراسية التي كان أغلبية دارسيها من الذكور.

هذا وبشكل واضح يفند الإكذوبة التاريخية التي تنتقص من قدرات المرأة العقلية.

دراسة رقم 3..

وحتى بخصوص المقدرة الهندسية الفراغية فقد أشار العلماء أن الفارق قد تناقص بمرور الزمن، حيث انها ارتبطت في العصور القديمة بخروج الرجل خارج البيت أكثر من المرأة مما أثر على قدرته التخيلية الفراغية. كما أن بعض النساء قد تفوقن على الرجال في هذه النقطة في بعض الثقافات.

دراسة رقم 4..

-كما أكدت الدراسات حديثا أن المخ البشري يتم تشكيلة بالخبرات المختلفة التي يتعرض لها الشخص سواء كان رجل أو امرأة، فيتغير تشريحيا ووظيفيا ومن حيث تعقيداته العصبية باختلاف التعلم والبيئة المحيطة.

فالمخ البشري لا يتأثر فقط بالجينات الوراثية ولكن بالظروف المحيطة المؤثرة ومن ضمنها ما يتعلق بكون الشخص رجل أو امرأة.

وتنبغي ملاحظة أن الظروف المحيطة بالمرأة تغيرت بمرور العصور فتوفر لها التعليم وبدأت تخرج من عباءة الاضطهاد بسبب نوعها.

ويمكن أن نستنتج من ذلك اختلاف عقول النساء في العصور القديمة حيث كن جواري عن النساء في العصور الحديثة حين توفر لهم حق المساواة في التعلم.

دراسة رقم 5..

وأكدت دراسة أخرى بحثت في سلوكيات الرجال والنساء أنه من الصعب تصنيفهم إلى قسمين مختلفين غير متداخلين سلوكيا.

وفي تصريح للبروفيسيرة جينا ريبون  الباحثة في مجال التصوير العصبي الإدراكي بجامعة أستون بانجلترا أعلنت عن دعوة لإعادة التفكير في مقولة: رجال من المريخ ونساء من الزهرة، التي تم تناقلها طويلا.

دراسات حديثة أثارت جدلا..

بعد أن فنّد العلم الحديث النظريات التي انتقصت من قدرات المرأة العقلية بطبيعتها، واتضح أن لا فارق في تركيب المخ بين الإناث والذكور، اتجه البعض لطريقة جديدة في البحث.

حيث تم الإعلان عن دراسة إحصائية حديثة أثارت جدلا علميا على نطاق العالم حين وصفت الإناث بصفة عامة بأنهم لا يميلون لتعلم العلوم.

اعتمدت هذه الدراسة على إحصاء العاملين في مجالات تعلم العلوم في الدول الغربية التي تساوي بين الذكور والإناث في اختيار مجالات عملهم.

أثارت هذه الدراسة جدلا واسعا في الأوساط الطبية حيث أكد العلماء المراجعين لها أنه هناك عوامل عدة تؤثر في النجاح في مجالات العلوم.

يتضمن ذلك اختيار رؤساء العمل، والتأثر بكون الباحثة امرأة لها حقوق في الانقطاع عن العمل باجازات أكثر وأطول مما يطلبه الرجال بطبيعتهم.

كما رد البعض بما ثبت في دراسات إحصائية أخرى مثل دراسات أكدت أن الأبحاث العلمية التي يرأس فريق عملها إناث ترتفع احتمالات رفضها من المجلات العلمية.

مما يوضح أنه  وبالرغم من دعوات المساواة-بين الرجال والنساء-التي تبنتها الحكومات إلا أنه لا يزال هناك تمييز مرفوض .

وفي كلمات بسيطة..

أثبت العلم  أنه لا يمكنا تصنيف المخ أو العقل لقسمين أحدهما للذكور وآخر للإناث، وبناء عليه فكل الإدعاءات التي تنتقص من قدرات المرأة العقلية بطبيعتها لا أساس علمي لها غير التعصب للنوع.

ولكن اختلاف التنشئة هو ما يمكن أن يؤثر في العقل وقدراتة سواء بالنسبة للذكور أو الإناث، وهو ما يمكن أن يتسبب في بعض الفوارق التي يرصدها علماء النفس بين الذكور والاناث في مجتمع معين أو في عصر معين.

وبسبب اختلاف ظروف تنشئة المرأة،فيمكن أن يظهر لها ميلا نفسيا عاطفيا وضحته بعض الأبحاث النفسية الحديثة.

مما لاشك فيه أن  العلم الحديث بدأ بالتأكد من أن الرجال والنساء ينتمون لنفس الكوكب، ولهم نفس القدرات، إلا أنها تتغير بإرادتهم وبإرادة ذويهم في تنشئتهم.

فالتنشئة إن شئنا أن نقول يمكن أن تجعل هناك رجالا من المريخ ونساء من الزهرة.

ولكن يجب علينا وضع هذه النظرية في حدودها البسيطة التي وضحها العلم، حيث لا أساس تركيبي طبي لها ولا مقاييس واضحة تجعلنا نطبقها  في كل الحالات.

وليس مستحيلا أبدا  أن نجد رجالا من الزهرة ونساء من المريخ..

إقرأ أيضا..

متعلقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى